محمد أبو زهرة

2130

زهرة التفاسير

ولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله ، وهو بين إقدام وإحجام يفكر في كل كلمة من أخيه الحكيم ، فيجد في كل منها صارفا له عن الجريمة ، ويدعم ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة ، فيكر الحسد من نفسه الأمارة بالسوء على كل صارف من صوارف نفسه اللوامة ، فلا يزالان يتنازعان ، ويتجاذبان حتى يغلب الحسد ويجذبه إلى طاعته » . وإن في النص الكريم إشارة إلى هذه المعاني من حيث التردد ، فقد عبر عن المقتول بقوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ . والمعنى : أن الأخوة ، والاطمئنان إلى القرابة كانا يعارضان دواعي القتل ، وعبر عن الجريمة بقوله فقتله ، مما يدل على أن التطويع للحسد بعد المغالبة ترتب عليه أقوى شر في هذا الوجود ، وهو إزهاق النفس التي حرم الله قتلها من غير جريمة إلا أن يكون قبول الله لقربانه جريمة عند الحاسدين . والنص القرآني مع كل ما سبق فيه إشارة إلى شناعة الجرم في ذاته من حيث الباعث عليه ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول ، ومن حيث ذات الفعل ، فإنه أكبر جريمة إنسانية في هذا الوجود ، ولكل هذه المعاني أشار القرآن الكريم بأوجه تعبير ، وأدق الألفاظ ، وهو سر الإعجاز ، وفيه بلاغة الإيجاز مع الوضوح ، وإشعاع المعاني بالنور من ثنايا الألفاظ . فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ أي فصار من الخاسرين بعد تلك الجريمة الكبيرة التي تحيط بها الشناعة من كل أطرافها ، والتعبير بأصبح هيأ لها المقام في الكلام ؛ لأن « أصبح » تدل على أنه كان مدركا لما ارتكب عندما أشرق نور الصبح ، كأنه وقت الحيرة أو إرادة الارتكاب في ظلمة من عقله وقلبه ، وفي ديجور من الظلام يشبه ظلام الليل ، حتى كان الصبح المنير الذي أراه الأمور على وجهها ، وأدرك في ذلك الضوء الذي جاء عند الصباح مقدار الإثم فيما فعل . والخسران الذي لحقه هو خسران القلب المؤمن إذا أربد بالمعاصي ، وطغى عليه الشر ، حتى غلبه ، وأركس في مهاوى الشر بسبب ضغن نفسه ، وامتلاء قلبه